ميرزا محسن آل عصفور

65

ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع )

سؤال : وتسأل - أيها القارئ - هل معنى إشادة الإسلام بالعقل انه يدرك صحّة كل أصل من أصول الإسلام ، وكل حكم من أحكام الشريعة ، بحيث إذا حقّقنا ومحصنا أية قضية دينية في ضوء العقل لصدقها وأمن بها إيمانه بأن الاثنين أكثر من الواحد ؟ الجواب : كلا . ولو أراد الإسلام هذا من تأييده للعقل لقضى على نفسه بنفسه ، ولكان وجوده كعدمه ، ولوجب أن يؤخذ الدين من العلماء والفلاسفة ، لا من الأنبياء وكتب الوحي ، ان للعقل دائرة ، وللدين أخرى ، وكل منهما يترك للآخر الحكم في دائرته واختصاصه ، والإنسان بحاجة إلى الاثنين ، حيث لا تتم له السعادة والنجاح إلا بهما معا . ان الغرض الأول الذي يهدف إليه الإسلام من الإشادة بالعقل هو أن يؤمن الإنسان بما يستقل به من أحكام ، ولا يصدق شيئا يكذبه العقل ويأباه ، ان العقل لا يدرك كل شيء ، وإنما يدرك شيئا ، ولا يدرك شيئا ، والذي يعلم كل شيء هو اللّه وحده ، فوجود اللّه وعلمه وحكمته ، وإعجاز القرآن الدال على صدق محمد في دعوته ، وما إلى ذاك يدركه العقل مستقلا ، ويقدم عليه البرهان القاطع ، أما وجود الملائكة والجن ، والسير غدا على صراط أدقّ من الشعرة ، وأحدّ من السيف ، وشهادة الأيدي والأرجل على أصحابها ، وتطاير الكتب ، وسؤال منكر ونكير ، ونحو ذلك ممّا لا يبلغه الإحصاء ، وثبت بضرورة الدين ، أما هذه فلا تفسّر بالعلم ، وليس فيه للعقل حكم بالنفي أو الإثبات ، ان الدين غير محصور ولا مقصور فيما يدركه العقل ، بل يتعداه إلى أمور غيبيّة يؤمن بوجودها كل من آمن باللّه والرسول واليوم الآخر ، ولكن الدين في جميع أحكامه وتعاليمه لا يعلم الناس ما يراه العقل محالا ، أو مضرّا . وبالتالي : فليس كل ما هو حق يجب أن يثبت بطريق العقل ، ولا كل ما لم يثبت بالعقل يكون باطلا - مثلا - ان مسألة المهدي المنتظر لا يمكن إثباتها بالأدلة العقلية ، لا لأنها غير صحيحة ، وباطلة من الأساس ، بل لأنها ليست من شؤون العقل واختصاصه ، ان عجز العقل عن إدراك قضية من القضايا شيء ، وكونها حقّا أو باطلا شيء آخر .